محمد محمد أبو ليلة

31

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

جمع معا بين دفتيه أصناف العلوم كلها كما قال تعالى : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ( الأنعام : 38 ) . وقال عليه الصلاة والسلام : " ستكون فتن " ؛ قيل : وما المخرج منها ؟ قال : " كتاب اللّه فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم " . ( أخرجه الترمذي ) وأخرج أبو سعيد بن منصور عن ابن مسعود قال : " من أراد العلم فعليه بالقرآن ، فإن فيه علم الأولين والآخرين " . قال البيهقي " يعنى أن القرآن يحتوى على أصول العلم " . وقد عدّ السيوطي وغيره أن من أكبر دلائل إعجاز القرآن إحاطته بالعلوم الجمة ، وجمعه للمعارف التامة ، واحتواءه على علوم لم يجمعها كتاب من قبله ، ولا أحاط بعلمها أحد « 1 » . ويقول الراغب الأصفهاني في القرآن بمعنى الجمع ، إنه جامع لثمرة كتب اللّه تعالى التي أنزلها على الأنبياء السابقين ؛ وذكر بعض العلماء من المتأخرين أن مادة " قرأ " و " قرآن " ليست بمعنى " جمع " استنادا إلى قوله تعالى : إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فغاير بين الجمع والقرآن ؛ وعليه تكون مادة " قرأ القرآن " بمعنى أظهره وبيّنه ، والقارئ يظهر القرآن ويخرجه بحسب قواعد قراءته ؛ وعلى الرغم من وجاهة هذا التوجيه للآية ، فإن الجمع بين عبارتي " جمعه وقرآنه " في الآية له معنى خاص ، وقرينة خاصة ، لا تتسع لما رآه هذا الفريق من العلماء ، فكلمة " جمعه " هنا ، تفيد جمع القرآن بمعنى تثبيته في صدر النبي صلى اللّه عليه وسلم بطريقة إلهية بحتة ، فيحفظه من أول مرة ، لا بالتكرار والاستظهار ، كما هي العادة في الحفظ بالنسبة لعامة البشر ، وكلمة " قرآنه " تعنى قراءته ، كما مرّ بنا . يذهب الإمام الشافعي رضي اللّه عنه ( 150 - 204 ه / 767 - 819 م ) إلى أن " القرآن " اسم علم على كتاب اللّه تعالى كالتوراة والإنجيل وأنه هو ليس مهموزا ، وكان الشافعي يهمز " قرآنه " ، ولا يهمز " القرآن " ، وكون " القرآن " اسم علم على كتاب اللّه تعالى ، لا يمنع أن يكون له أصل في اللغة ، وكونه ليس مهموزا ، لا يعنى أن الأصل فيه أنه كذلك ، أي غير مهموز .

--> ( 1 ) معترك الأقران ج 1 ص 22 .